الشيخ أحمد بن محمد القسطلانى
123
المواهب اللدنية بالمنح المحمدية
وكان - صلى اللّه عليه وسلم - يمازح أصحابه ويخالطهم ويحادثهم ويؤنسهم . ويأخذ معهم في تدبير أمورهم ، ويداعب صبيانهم ويجلسهم في حجره ، ومع ذلك سره في الملكوت يجول حيث أراد اللّه به . والدعابة : - بضم الدال وتخفيف العين المهملتين وبعد الألف موحدة - هي الملاطفة في القول بالمزاح وغيره . وقد أخرج الترمذي وحسنه من حديث أبي هريرة ؛ قالوا : يا رسول اللّه ، إنك تداعبنا ، قال : « إني لا أقول إلا حقّا » « 1 » . وما ورد عنه - صلى اللّه عليه وسلم - في النهى عن المداعبة محمول على الإفراط ، لما فيه من الشغل عن ذكر اللّه والتفكر في مهمات الدين وغير ذلك . والذي يسلم من ذلك هو المباح ، فإن صادف مصلحة مثل تطييب نفس المخاطب - كما كان هو فعله - صلى اللّه عليه وسلم - فهو مستحب . وقال أنس : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - أحسن الناس خلقا ، وكان لي أخ يقال له : أبو عمير ، وكان له نغر يلعب به فمات ، فدخل على النبيّ - صلى اللّه عليه وسلم - ذات يوم فرآه حزينا فقال : « ما شأنه » قالوا : مات نغره ، فقال : « يا أبا عمير ما فعل النغير » « 2 » . رواه البخاري ومسلم . وفي رواية الترمذي قال أنس : كان رسول اللّه - صلى اللّه عليه وسلم - ليخالطنا حتى يقول لأخ لي صغير « يا أبا عمير ما فعل النغير » . قال الجوهري : النغير : تصغير نغر ، والنغر جمع النغرة وهو طائر صغير كالعصفور ، والجمع نغران مثل صرد وصردان . وكان قد ألقى عليه مع الدعابة المهابة ، ولقد جاء إليه - صلى اللّه عليه وسلم - رجل فقام بين يديه فأخذته رعدة شديدة ومهابة ، فقال له : « هون عليك ، فإني لست بملك ولا جبار إنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد بمكة » فنطق الرجل بحاجته ، فقام - صلى اللّه عليه وسلم - فقال : « يا أيها الناس إني أوحى إلى أن تواضعوا ، ألا فتواضعوا حتى لا يبغى أحد على أحد ولا يفخر أحد على أحد ، وكونوا عباد
--> ( 1 ) صحيح : أخرجه الترمذي ( 1990 ) في البر والصلة ، باب : ما جاء في المزاح ، والحديث صححه الشيخ الألبانى في « صحيح الجامع » ( 2509 ) . ( 2 ) صحيح : أخرجه البخاري ( 6129 ) في الأدب ، باب : الانبساط إلى الناس ، ومسلم ( 2150 ) في الآداب ، باب : استحباب تحنيك المولود عند ولادته ، من حديث أنس - رضى اللّه عنه - .